في الأسبوع الماضي خرجت مع إخوتي في رحلة برية كان الغرض الأساسي منها هو الشوي … تبلنا الدجاج بشكل رائع حتى أنني من الحماس ومن رائحة التتبيلة الزكية … كدت أن أأكل الدجاجة قبل أن تشوى .
ذهبنا إلى مكان قريب و مثير و رائع الجمال … وبالمناسبة يا إخوة يا كرام فإنه لا يوجد في المملكة المتحدة ما يوجد عندنا … لا يوجد عندهم مكان مسور لأنه ضمن الأملاك الخاصة بالملكة إليزابث … أو مكان يمنع تصويرة لأنه محمية صيد للأمير شارلز … ولذلك فإن أخي الصغير عبد الرزاق إستغرب حينما وصلنا إلى المكان بسرعة قائلاً : غريبة برّهم قريب … وكعادتنا كعرب لم نعلق نحن الأخوة الأكبر سناً على لبّ ما قال وهو أن المكان قريب (نخاف الدخول في السياسة) … بل إنصبت تعليقاتنا على :
كلمة ( برّ ) … قلنا له : يا جاهل يا قروي تسمي هالجنـّة برّ عيب عليك هالمروج الخضراء لو علمت عن أنك تسميها برّ لغضبت علينا إحترم المكان على الأقل .
وهنا جائني شيطان الكلمات وقعدت أتفلسف على أخوي الصغير قائلاً : إعلم رحمك الله تعالى …أن البر في ديارنا أسم جامع للمعاني التالية : المكان البعيد المسوّر الجاف وغير المخدوم ولا تصل إليه بطريق زفلت وبعض نواحية تحتاج إلى واسطة لدخولة وفي نواحي أخرى تحتاج إلى دفع مبلغ من المال (والناس إللي على قدّ حالهم مثلنا وأنا أخوك مايعرفون هالنوع من البرّ) …
وهذا هو البرّ الذي أعرفة عندنا … ويا أخي صحيح إن الصمّان تصبح جنة إذا ربعّت لكن الصمّان بعيدة … وأعلم يا أخي … أن الحفاة العراة رعاة المزايين … لم يعودوا يتطاولون بالبنيان فقط … بل أصبحوا يتطاولون بالبرّان أيضاً …
ويا أخي … إني لأظن أن الراوي وَهِمَ أو نسي حينما قال : لا حسد إلا في إثنتين …ولا أدري إن كان رحمة الله قد غـَفِلَ عن الثالثة أو أنها كالعادة من كيسي : و أناس يتحاسدون في تسوير الأرض الفلاة المجدبة البعيدة …طمعاً في أن يصل إليها العمران يوماً فيتم تخطيطها وتطرح كمساهمة تسرق أموال الناس من ورائها .
يتحاسدون على البرّ !!! … همّ يحسدوني على ( البر) فوا أسفا ** حتى على (البرّ) لا أخلوا من الحسد
المعذرة فأنا كعادتي في الإستطراد والبعد عن أصل القصة … وصلنا إلى المكان بدجاجنا المتبّل وشرائح البرجر (لا زال يدّعي الأخ سهل أنها من أجود أنواع الخنزير ) وكافة تجهيزات الشويّ … في هذه الأثناء بدئنا نشوي … وكعادتنا في طلعاتنا لابد من أن نكون قد نسينا شيئاً و لذلك فقد ذهب سهل لإحضار بعض الأغراض التي نسينا إحضارها مثل الكاتشب والأمور الأخرى .
في هذه الأثناء كنت أنا وبقية إخوتي نكمل الشوي بإنتظار إكتمال التجهيزات لنبدء بالأكل ….
وهنا تبدأ القصة : وبينما نحن منشغلين بالتجهيز للوليمة … إذ مرّ بجانبنا كلب أسود ضخم ليس معه صاحب من بني البشر و أخذ يتشمم المكان … وحينما بدأ يقترب من الأكل بدأنا بمحاولة إخافتة … لكن المشكلة إن الكلب بن الكلب طلع ما يخاف كما كنّا نتوقع …
أقترب من أخي عبدالرزاق ما دفع أخي عبدالرزاق للهروب من المكان … وسط ندائي لعبدالرزاق … أن لا تهرب فما هكذا الرجال ثم إن الكلب إن هربت سيستمر في مطاردتك … فيا ليتني إحترمت نفسي وسكت !!!
وسط هذا الموقف والكلب يطاردنا ويشتمّ الأكل والمكان … إذا بهاتفي المحمول يرن … وإذا المتصل هو سهل أخي فرددت على الهاتف رغم أننا وسط معمعة الكلب (هذا دليل إن خايف) … و أثناء المكالمة … إقترب الكلب إلى الطعام بشكل قريب جداً … ما دعاني إلى أن أصيح في الكلب قائلاً :
هـشش هـشش
وما أن سمعني الكلب أقول له هذه العبارة المشؤومة حتى إنشغل عن الأكل ويمم نحوي القبلة … و أخذ يرمقني بنظرات حارة … وكأنني به يقول لي : ألم يعلموك طوال السنين الماضية أنني كلب ابن كلب ورثت طباع الكلاب وصفاتهم كابراً عن كابر … ألم تعلم أن لكل مقامٍ مقال … فلا يليق أن تنادي وزيراً بـ (يا أخ) أو أميراً بــ (يالحبيب)… كما أنه لا يليق أن تنادي كلباً بـ (هـشش هـشش) كما يُفعلُ مع الماشية أو الحمير.
ثم أن الكلب أحس بوجوب إعطائي درساً قاسياً في كيفية إحترام الأخـر … حتى ولو كان كلباً (أو صاحب توجه فكري يختلف عن توجهي) … لا أقصد بذلك سبّةً لأحد …
أريدكم أن تتخيلوا المشهد تماماً لأكمل القصة … الكلب يطارد عبالرزاق … أعطيه بعض التوجيهات الغبية … ثم أرد على الهاتف … بعدها أقول للكلب هـشش هـشش … ثمّ
يبدأ الكلب بمطاردتي … ولأول مرة في حياتي أحس أني سريع جداً (الخوف مليح) … ستقولون لي عيب عليك كنت تنصح أخوك الصغير أن يكون رجلاً ولا يهرب ثم أنت تهرب … وسأقول لكم كما قال المتنبي : ويحكم فإنكم قاتليّ … فلو وصل إليّ الكلب وقتلني فماذا سأصبح … شهيد الكلب مثلاً …
لقد كان عوني بعد الله في هذه المصيبة أخي زياد الذي أخذ الملقاط (الذي نقلـّب فيه الأكل) وضرب الكلب على وجهة وجسمة … ما جعل الكلب يتركني وشأني ويبتعد حتى لا يتعرض للمزيد من الضربات … وأما أنا بعد هذه المطاردة فقد كان ينطبق عليّ بيت ناصر الفراعنة:
لاني حيّ لاني ميت بين أقبلت بين أقفيت …
وهنا وقفات :
* حقيقةً لا علم لي بكيفية مناداة الكلاب فلا تلومنوني كثيراً … ثم أنني وجدت بعض نقاط الإلتقاء بين الكلاب وبعض التيارات الموجودة في الساحة حالياً … فكما أن الكلب يغضب حينما يقال له هـشش هـشش … فإن أصحابي من الليبراليين يغضبون إذا قلت لأحدهم يا (ليبرالي) … ويزداد غضبهم إذا قلت لأحدهم يـا (منفتح) … حقيقةً لا أدري لماذا تغضبهم عبارة (منفتح) !!! … ( رجاءً بدون زعل يا أبو خ أنت وأبو ع… أعرفكم تحقدون) … بعيداً عن التصنيف فليس لي أيّ توجه فكري ..
* التدوينة السابقة كانت أحد آثار هجوم الكلب … بالمناسبة هي تحتوي لغز هل تستطيعون حله .
* إخوتي بعد هذه الحادثة أصبحوا يطلقون عليّ لقب … الجـِمَرد … دلالةً على شجاعتي النادرة …
* الموقف كله كان تحت التصوير … فقبل وصول الكلب إلينا كان عبدالرزاق أخي يصور المكان ويقابلنا بكاميرته الخاصة … واستمر بالتصوير أثناء هجوم الكلب … طبعاً دون وعياً منه … لكن المشهد واضح جداً.
ختاماً : العتاب على قدر المحبة … والصياح على قدر الألم … وكذلك النباح … (إفهم يإللي في بالي)
وكان ما كان مما لست أذكرة ** فظن شراً ولا تسأل عن الخبر